تخطي للذهاب إلى المحتوى

عندما يبدأ التمكين من القاع

لماذا تبدأ أعظم القصص من أسوأ اللحظات؟
30 يونيو 2026 بواسطة
Malik
لا توجد تعليقات بعد


نعيش في زمنٍ يقيس النجاح بالنتائج السريعة. وظيفة مرموقة، حساب مصرفي ممتلئ، شهرة، أو حياة تبدو مثالية على وسائل التواصل. لكن قصة يوسف عليه السلام تقدم لنا مفهومًا مختلفًا تمامًا عن النجاح.


يقول الله تعالى:

﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.


المثير أن هذه الآية جاءت بعد انتقال يوسف إلى بيت العزيز في مصر، وهو ما يزال عبدًا مملوكًا اشتُري بثمنٍ بخس. لم يكن ملكًا، ولم يكن وزيرًا، ولم يكن صاحب نفوذ، ومع ذلك وصف الله تلك المرحلة بأنها بداية التمكين.


وهنا تكمن الرسالة.


التمكين يبدأ قبل أن يراه الناس


عندما ننظر إلى حياتنا، نعتقد أن التمكين هو الوصول إلى الهدف. لكن القرآن يعلّمنا أن التمكين الحقيقي يبدأ قبل ذلك بكثير، منذ اللحظة التي يبدأ الله فيها بتوجيه حياتك نحو الغاية التي كتبها لك.


الجبّ (البئر)، والغربة، والبيع، والعمل في بيت العزيز، ثم السجن… لم تكن أحداثًا عشوائية في حياة يوسف عليه السلام، بل كانت محطات متتابعة يصنع الله بها قائدًا، ويهيئ بها إنسانًا لحمل مسؤولية عظيمة.


وهذا يغيّر تمامًا الطريقة التي ننظر بها إلى حياتنا.


نحن عادةً نربط التمكين بالنتيجة النهائية: الوظيفة التي نحلم بها، المشروع الذي ينجح، أو الهدف الذي نصل إليه.


أما القرآن، فيعلّمنا أن التمكين قد يبدأ قبل أن يظهر أي نجاح للناس.


قد يكون في شخص تتغير شخصيته بسبب تجربة قاسية.


أو في إنسان يتعلم الصبر بعد خسارة.


أو في باب أُغلق ليقوده إلى بابٍ أفضل لم يكن يتوقعه.


قد لا يبدو ذلك تمكينًا في نظر الناس، لكنه بداية الطريق الذي اختاره الله لك.


بعض الدروس لا يمكن أن تتعلمها وأنت مرتاح


قال الله: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾.


ليس كل علم يُكتسب من الكتب أو الدورات أو الشهادات.


هناك حكمة لا تمنحها إلا التجارب.


هناك نضج لا تصنعه إلا المسؤولية.


وهناك بصيرة لا يولدها إلا الصبر.


كل محطة مر بها يوسف عليه السلام أضافت إليه شيئًا لم يكن ليكتسبه لو عاش حياةً سهلة.


ولهذا، عندما جاءت لحظة المسؤولية، كان مستعدًا لها.


هناك حقيقة تغيّر نظرتك للحياة


من أكثر العبارات التي تبعث الطمأنينة في سورة يوسف قول الله:


﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ﴾.


كم من أشخاص حاولوا تغيير مسار حياة يوسف؟


إخوته أرادوا إبعاده.


القوافل السيارة أخذته عبدًا.


امرأة العزيز أرادت أن توقعه في المعصية.


دخل السجن ظلمًا.


لكن شيئًا واحدًا لم يتغير:


أن الله كان يقود القصة منذ بدايتها.


الأسباب تتحرك، والناس يخططون، والأحداث تتبدل… لكن إرادة الله هي التي تصل بالقصة إلى نهايتها.


وهذا يمنح المؤمن طمأنينة عميقة: ليس كل تأخير حرمانًا، وليس كل خسارة نهاية، وليس كل طريق مغلق دليلًا على أن الخير قد انتهى.


لماذا يصعب علينا رؤية ذلك؟


لأننا نعيش داخل الحدث، بينما نجهل النهاية.


نرى ما خسرناه، ولا نرى ما يعدّه الله لنا.


نركز على اللحظة، بينما الله يدبر الرحلة كلها.


ولهذا ختم الله الآية بقوله:


﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.


لا يعلمون أن وراء كثيرٍ من الأحداث التي تبدو مؤلمة حكمةً لا تتضح إلا بعد زمن.


في النهاية…


قد لا تكون اليوم في المكان الذي تمنيت الوصول إليه.


وقد تمر بمرحلة تشعر فيها أن الأمور لا تسير كما خططت.


لكن قصة يوسف عليه السلام تذكّرنا بأن الله لا يصنع الانسان في لحظات الراحة، بل في مراحل الصبر والثبات والاختبار.


لذلك، لا تحكم على حياتك من فصلٍ واحد.


فقد تكون القصة التي تظن أنها تنهار… هي نفسها التي يكتب الله لها أجمل نهاية.


﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.



تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً
قوم لوط
بالتصورات الفكرية المعاصرة