تخطي للذهاب إلى المحتوى

تحتك سرياً

29 يونيو 2026 بواسطة
Malik
لا توجد تعليقات بعد


تفسير قوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾

قال الله تعالى:

﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ۝ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾

(سورة مريم: 24-25)

جاءت هذه الآية الكريمة في سياق قصة مريم عليها السلام، بعدما اعتزلت قومها، وأصابها ألم الولادة وهي وحيدة لا تجد معينًا من البشر. وفي هذه اللحظات العصيبة تجلت رحمة الله سبحانه، فأنزل عليها السكينة، وهيأ لها أسباب الرزق والطمأنينة، لتبقى هذه القصة درسًا خالدًا لكل مؤمن أن فرج الله يأتي بعد الشدة، وأن رحمته تحيط بعباده في أشد المواقف.

أولًا: تفسير الآية

قال تعالى:

﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي﴾

بعد أن قالت مريم عليها السلام:

﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾

جاءها النداء الإلهي يطمئن قلبها ويذهب عنها الخوف والحزن.

من هو المنادي؟

ذكر أهل التفسير قولين مشهورين:

القول الأول: أن المنادي هو جبريل عليه السلام

وهو قول عبد الله بن عباس، وقتادة، والسدي، والضحاك، وجمهور المفسرين، وهو الذي رجحه الإمام ابن جرير الطبري، والإمام البغوي، والإمام ابن كثير.

ومعنى الآية: أن جبريل كان أسفل المكان الذي جلست فيه مريم، فناداها قائلًا:

﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾

أي: لا تحزني مما أصابك، ولا تخافي من المستقبل، فإن الله معك ولن يضيعك.

القول الثاني: أن المنادي هو عيسى عليه السلام

وروي عن مجاهد والحسن البصري أن عيسى عليه السلام تكلم فور ولادته، فكان أول كلامه تسلية أمه.

إلا أن أكثر المفسرين رجحوا أن المنادي هو جبريل عليه السلام، وهو الأقرب لسياق الآيات.


ثانيًا: معنى قوله تعالى

﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾

أنه نهر صغير

وهو قول جمهور أهل التفسير.

أي أن الله تعالى أجرى تحت مريم جدولًا من الماء العذب لتشرب منه بعد عناء الولادة.

قال الإمام البغوي:

"السري: النهر الصغير."

وذكر الإمام الواحدي أن الماء كان قد انقطع من ذلك الموضع، فأعاده الله رحمةً بمريم.

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن جبريل عليه السلام ضرب الأرض، فنبعت عين ماء بإذن الله.


ثالثًا: فوائد الآية


1- رحمة الله تسبق الشدة

لم يترك الله مريم وحدها في تلك المحنة، بل أرسل إليها من يطمئنها، وهيأ لها أسباب الراحة والرزق.

قال تعالى:

﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾

فكانت أول نعمة هي طمأنينة القلب، قبل الطعام والشراب.

2- الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل

مع أن الله قادر على أن ينزل الرطب إليها دون حركة، أمرها بقوله:

﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾

وفي هذا تعليم للأمة أن المسلم يجمع بين الاعتماد على الله وبذل السبب المشروع.

وقد كان الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله يقرر في فتاواه أن التوكل الصحيح لا يعني ترك الأسباب، بل هو اعتماد القلب على الله مع فعل الأسباب المباحة التي شرعها سبحانه.

3- أن الفرج يأتي بعد الكرب

اجتمع لمريم في لحظات قليلة:

  • زوال الخوف.
  • وجود الماء.
  • وجود الطعام.
  • البشارة بولد كريم.
  • حفظها من الضياع.

وهذا من أعظم دلائل لطف الله بعباده المؤمنين.

4- لطف الله بعباده

من أسماء الله الحسنى اللطيف، ومن آثار هذا الاسم أن الله يهيئ لعبده من أسباب الخير ما لا يخطر له على بال.

ففي الوقت الذي ظنت فيه مريم أن الناس سيتهمونها، كانت عناية الله قد سبقتها بإعداد البرهان الذي يدفع عنها التهمة.


رابعًا: وقفات إيمانية

  • إذا ضاقت بك الأسباب، فلا تيأس من رحمة الله.
  • قد يؤخر الله الفرج لحكمة، لكنه لا ينسى عبده المؤمن.
  • أعظم ما يحتاجه الإنسان وقت البلاء هو سكينة القلب.
  • قد يكون الخير قريبًا منك وأنت لا تشعر، كما كان الماء تحت قدمي مريم.
  • من صدق مع الله، كفاه الله ما أهمه.

خلاصة التفسير

تبين هذه الآية عظيم رحمة الله بمريم عليها السلام؛ فقد واساها في أشد لحظات حياتها، وأزال عنها الخوف، وهيأ لها الماء والطعام، وأرشدها إلى الأخذ بالأسباب، لتكون هذه القصة شاهدًا على أن رحمة الله أقرب إلى عباده من كل ما يظنون، وأن الفرج يأتي بعد الشدة، وأن المؤمن لا ييأس من روح الله مهما عظمت الكروب.


  • القرآن الكريم.
  • تفسير الإمام الطبري.
  • تفسير ابن كثير.
  • تفسير البغوي (معالم التنزيل).
  • تفسير السعدي.
  • تفسير الواحدي (الوجيز).
  • مجموع فتاوى ومقالات الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، فيما يتعلق بالتوكل والأخذ بالأسباب، ولطف الله بعباده.


تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً
العصف المأكول