في تاريخ الأمم رجالٌ يغيّرون مجرى الأحداث بقوة السيف، ورجالٌ يغيّرونه بقوة الكلمة، لكن هناك رجالًا نادرين غيّروا التاريخ بقلوبهم قبل أيديهم.
كان يعيش في مكة تاجرٌ ثري، تحيط به مظاهر الرفاهية، وتُفتح له أبواب التجارة من كل اتجاه، ولم يكن أحد يتوقع أن يصبح يومًا أحد أعظم رجال الإسلام، وأن يكتب اسمه بين الخالدين لا بثروته، بل بإيمانه.
إنه عثمان بن عفان رضي الله عنه... الرجل الذي شهد له النبي ﷺ بالجنة، واستحت منه الملائكة، وبذل ماله وروحه حتى لقي الله شهيدًا مظلومًا وهو يقرأ القرآن.
نسبه ومولده
هو أمير المؤمنين عثمان بن عفان بن أبي العاص الأموي القرشي، ويكنى أبا عبد الله، ويُعرف بـ ذي النورين؛ لأنه الصحابي الوحيد الذي تزوج ابنتين من بنات النبي ﷺ، فتزوج رقية رضي الله عنها، وبعد وفاتها زوجه رسول الله ﷺ أختها أم كلثوم رضي الله عنها، ولذلك لم يُعرف في تاريخ البشر رجل تزوج ابنتي نبي غير عثمان.
ولد قبل عام الفيل بنحو ست سنوات، ونشأ في بيت شرف وثراء، وكان من أشهر تجار قريش، معروفًا بالعفة والصدق، فلم يُعرف عنه في الجاهلية شركٌ ولا فاحشة ولا ظلم.
أول الطريق إلى الإسلام
عندما بدأ نور الإسلام ينتشر في مكة، كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه سببًا في إسلام عثمان، فلم يتردد طويلًا، بل استجاب للحق من أول دعوة، ليصبح من السابقين الأولين إلى الإسلام.
ومنذ تلك اللحظة بدأت رحلة الابتلاء.
ترك نعيم الدنيا من أجل رضا الله، وتحمل أذى قومه، ثم هاجر الهجرة الأولى إلى الحبشة مع زوجته رقية رضي الله عنها، ثم هاجر إلى المدينة، فكان من القلائل الذين جمعوا بين الهجرتين.
الرجل الذي استحت منه الملائكة
كان عثمان مثالًا فريدًا في الحياء والطهارة.
دخل على رسول الله أبو بكر رضي الله عنه، ثم عمر رضي الله عنه، ورسول الله ﷺ على هيئته المعتادة، فلما استأذن عثمان جلس النبي ﷺ وسوى ثيابه.
فلما سألته عائشة رضي الله عنها عن ذلك قال:
«ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة.»
(رواه مسلم)
كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُضطجِعًا في بيتِه كاشفًا عن فخِذَيْه فاستأذَن أبو بكرٍ فأذِن له وهو على تلكَ الحالِ فتحدَّث ثمَّ استأذَن عُمَرُ فأذِن له وهو على تلكَ الحالِ فتحدَّث ثمَّ استأذَن عُثمانُ فجلَس رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وسوَّى ثيابَه فدخَل فتحدَّث فلمَّا خرَج قالت عائشةُ : يا رسولَ اللهِ دخَل أبو بكرٍ فلَمْ تَهَشَّ له ولَمْ تُبالِ به ثمَّ دخَل عُمَرُ فلَمْ تَهَشَّ له ولَمْ تُبالِ به ثمَّ دخَل عُثمانُ فجلَسْتَ فسوَّيْتَ ثيابَك ؟ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( ألَا أستحي مِن رجُلٍ تستحي منه الملائكةُ )
خلاصة حكم المحدث : أخرجه في صحيحه
الراوي : عائشة أم المؤمنين
| المحدث : ابن حبان
| المصدر : صحيح ابن حبان
| الصفحة أو الرقم : 6907
| التخريج : أخرجه مسلم (2401) باختلاف يسير
إنها شهادة لم ينلها أحد غير عثمان.
حياءٌ لم يكن ضعفًا، بل قوةً صنعت شخصية متزنة، بعيدة عن الفحش والغلظة، قريبة من الله في كل أحوالها.
عندما أصبح المال عبادة
كان عثمان يعلم أن المال إذا وُضع في يد المؤمن أصبح وسيلةً لعبادة الله.
ولذلك لم يكن يرى ثروته ملكًا له، بل أمانةً ينفقها حيث يحب الله.
فعندما اشتد العطش بأهل المدينة، وكانت بئر رومة مملوكة لرجل يبيع ماءها، دعا النبي ﷺ إلى شرائها للمسلمين، فاشتراها عثمان من ماله الخاص، ثم جعلها وقفًا للمسلمين إلى يوم القيامة.
وحين ضاق المسجد النبوي بأهله، اشترى الأرض المجاورة وضمها إلى المسجد.
ولما خرج المسلمون إلى غزوة تبوك في أشد ظروفهم، جهز عثمان جيشًا كاملًا من ماله، حتى امتلأت ساحة المدينة بالإبل والخيل والسلاح.
عندها قال النبي ﷺ وهو يقلب الذهب بيده:
«ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم.»
جاءَ عثمانُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ بألفِ دينارٍ قالَ الحسَنُ بنُ واقعٍ : وفي موضعٍ آخرَ من كتابي ، في كمِّهِ حينَ جَهَّزَ جيشَ العُسرةِ فينثرَها في حجرِهِ . قالَ عبدُ الرَّحمنِ : فرأيتُ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يقلِّبُها في حجرِهِ ويقولُ : ما ضرَّ عثمانَ ما عَمِلَ بعدَ اليومِ مرَّتينِ
الراوي : عبدالرحمن بن سمرة
المحدث :الألباني
المصدر :صحيح الترمذي
الصفحة أو الرقم: 3701
خلاصة حكم المحدث : حسن
التخريج : أخرجه الترمذي (3701) واللفظ له، وأحمد (20630)، والحاكم (4553) باختلاف يسير.
ولم تكن هذه الكلمة ثناءً على ماله، بل على صدق قلبه وإخلاصه.
عثمان وجمع القرآن
بعد اتساع الفتوحات الإسلامية، بدأ اختلاف الناس في وجوه القراءة.
فأدرك عثمان رضي الله عنه خطورة ذلك على وحدة الأمة، فأمر بجمع المصحف على الرسم الذي أُجمع عليه في عهد الصحابة، ثم أرسل المصاحف إلى الأمصار.
وبهذا حفظ الله كتابه، وكان لعثمان شرف الإشراف على أعظم مشروع في تاريخ الإسلام بعد نزول الوحي.
وما زالت المصاحف التي بين أيدي المسلمين اليوم ترجع في أصلها إلى هذا العمل العظيم.
خليفة في زمن اتساع الدولة
تولى عثمان الخلافة بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكانت الدولة الإسلامية قد أصبحت قوةً عالمية.
وفي عهده امتدت الفتوحات شرقًا وغربًا، ودخلت بلاد كثيرة في الإسلام، وأنشئ أول أسطول بحري للمسلمين، وانتشر الأمن والرخاء في معظم أرجاء الدولة.
لكن اتساع الدولة جلب معه تحديات جديدة، وبدأ أهل الفتنة ينشرون الشائعات والأكاذيب بين الناس.
بداية الفتنة
اجتمع أهل الفتنة حول بيت عثمان رضي الله عنه، وحاصروه أيامًا طويلة.
وكان يستطيع أن يأمر الصحابة بالدفاع عنه، فقد كان حوله كبار الصحابة وأبناؤهم.
لكنه رفض.
لم يرد أن تكون المدينة التي عاش فيها رسول الله ﷺ ساحة قتال، ولم يشأ أن تُراق قطرة دم بسببه.
وكان يردد الصبر، محتسبًا ما عند الله.
وكان يعلم أن النبي ﷺ قد أخبره بما سيقع.
فقد قال له:
«يا عثمان، إنه لعل الله يقمصك قميصًا، فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه.»
يا عثمانُ إن اللهَ مُقَمِّصُكَ قميصًا، فإن أرادك المنافقونَ على خَلْعِهِ فلا تَخْلَعْهُ
خلاصة حكم المحدث : صحيح
الراوي : عائشة أم المؤمنين
| المحدث : الألباني
| المصدر : تخريج كتاب السنة
| الصفحة أو الرقم : 1179
| التخريج : أخرجه الترمذي (3705) باختلاف يسير، وابن ماجه (112)، وأحمد (24566) مطولاً، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (1179) واللفظ له.
النهاية التي كتبها الله له
وفي سنة خمس وثلاثين للهجرة، اقتحم المجرمون داره.
وكان عثمان شيخًا تجاوز الثمانين من عمره.
لم يكن يحمل سيفًا.
ولم يكن يقود جيشًا.
كان جالسًا يقرأ كتاب الله.
فسالت دماؤه على صفحات المصحف، ولقي ربه شهيدًا مظلومًا، كما أخبر النبي ﷺ قبل سنوات.
وكانت تلك واحدة من دلائل نبوته ﷺ.
ماذا نتعلم من عثمان رضي الله عنه؟
إن سيرة عثمان ليست قصة رجل ثري أنفق أمواله فحسب، بل هي مدرسة كاملة في الإيمان.
نتعلم منها أن الحياء لا يناقض القوة، وأن المال إذا صلح القلب أصبح طريقًا إلى الجنة، وأن أعظم الانتصارات قد تكون في الصبر لا في القتال.
كما نتعلم أن حفظ وحدة المسلمين أعظم من انتصار النفس، وأن خدمة القرآن من أعظم الأعمال التي يبقى أثرها بعد وفاة الإنسان.
ولذلك بقي اسم عثمان خالدًا في التاريخ، لا لأنه كان خليفةً فقط، بل لأنه عاش لله، وبذل لله، ومات ثابتًا على طاعة الله.
رضي الله عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا به في جنات النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.