تخطي للذهاب إلى المحتوى

العصف المأكول

18 يونيو 2026 بواسطة
Malik
لا توجد تعليقات بعد

حين تتحول القوة إلى هشيم

في ختام سورة الفيل، يرسم القرآن الكريم مشهدًا بليغًا يجسد مصير الطغيان مهما بلغت قوته، فيقول الله تعالى: ﴿ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾.

إنها آية قصيرة في ألفاظها، عظيمة في معانيها، تختصر قصةً كاملة من الكبر والغرور، وتؤكد حقيقةً خالدة: أن القوة مهما تعاظمت، فإنها تظل ضعيفة أمام قدرة الله سبحانه وتعالى.

قصة أصحاب الفيل

تعود أحداث السورة إلى العام الذي وُلد فيه سيدنا ونبينا محمد ﷺ، حين خرج أبرهة الأشرم بجيشٍ عظيم يتقدمه مجموعة من الفيل الضخام، قاصدًا هدم الكعبة المشرفة وصرف العرب عن حجهم إليها.

اعتمد أبرهة على ما يملك من قوة وعدد وعدة، وظن أن لا شيء يمكن أن يقف في وجهه. لكن إرادة الله كانت فوق كل إرادة، فحفظ بيته الحرام دون أن يحتاج أهل مكة إلى قتال أو دفاع.

أرسل الله تعالى طيرًا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فهلك الجيش وتلاشى أثره.

معنى قوله تعالى: ﴿ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾

العصف هو ورق الزرع اليابس أو بقايا السنابل بعد الحصاد، أما "مأكول" فالمقصود به ما أكلته الدواب ثم تركته ممزقًا متناثرًا.

ويصور هذا التعبير القرآني البديع حال أصحاب الفيل بعد هلاكهم، فقد تحولوا من جيشٍ مهيب يبعث الرهبة في النفوس إلى بقايا لا قيمة لها، كأوراق الزرع التي عبثت بها الرياح.

إنه تصوير يحمل في طياته معنى الذل بعد العزة الزائفة، والانكسار بعد الغرور، والفناء بعد التكبر.

دروس وعبر من الآية

1. قدرة الله فوق كل قوة

قد يمتلك الإنسان المال أو النفوذ أو السلطة، لكن جميع أسباب القوة تظل محدودة أمام قدرة الله عز وجل.

2. حماية الله لدينه ومقدساته

تكشف سورة الفيل أن الله سبحانه يتولى الحفظ والحماية، وأن النصر لا يعتمد دائمًا على كثرة العدد أو قوة السلاح.

3. عاقبة الظلم والهداية إلى التواضع

كل من يتجبر ويظن أن قوته تمنحه السيطرة المطلقة، فإن التاريخ والقرآن يذكرانه بأن نهايات الظالمين متشابهة، مهما اختلفت أسماؤهم وأزمانهم.

4. لا تغتر بالمظاهر

قد يبدو الباطل قويًا في لحظة من اللحظات، لكن قوته مؤقتة وزائلة، أما الحق فيبقى ثابتًا من عند الله.

رسالة الآية إلى عصرنا

في عالم يمتلئ بمظاهر القوة المادية والتنافس على النفوذ، تذكرنا هذه الآية بأن الميزان الحقيقي ليس بما نملك، بل بمدى قربنا من الله واعتمادنا عليه.

إن مصير أصحاب الفيل يعلّمنا أن الغرور بداية السقوط، وأن التوكل على الله يمنح المؤمن طمأنينة وثقة بأن الحق لا يضيع، وأن الله يدبر الأمور بحكمة وعدل.

تبقى هذه الكلمات القرآنية الخالدة شاهدة على حقيقة لا تتغير عبر العصور: كل قوة تتجرد من الحق والعدل، مآلها إلى الزوال، مهما بدت عظيمة في أعين الناس.

﴿ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾.


تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً
قطمير